الجان.. من الوهم إلى الحقيقة «2»
ناجي جاسب تحيفه - 8 / 2 / 2010م - 3:10 م
بعد مضي الأسبوع الأول سمع عبد الله من زميله فتحي عن إحدى الشركات التي تعمل في حفر الآبار في أطراف المدينة ولها فروع في كل المدن ولا ترفض أحداً أيًّا كانت شهادته، تطلب أيدٍ عاملة كثيرة، فأخذ منهُ عنوانها وكان فرحاً مسروراً من كلامه مستبشرا بالتوفيق، وفي صباح اليوم التالي استيقظ مبكراً واستقل سيارة التاكسي حاملاً شهادته في كيس من النايلون مع ملفه الأخضر متوجهاً إلى مكتب الشركة التي يأمل قبوله للعمل فيها.

وصل عند بدء فتح الباب الرئيسي وكانت الناس متجمهرة عند البوابة بالعشرات كل يحمل ملفه وأوراقه في يده ويتزاحمون على الدور، كل واحد يقول أنا دخلت الأول.

توقف عبد الله في الصف الأمامي وتحدث مع أحد الشباب سائلاً إياه: من أين أنت؟.
أجابه بالقول: من قرية أم النخيل.
سأله عبد الله: وماذا تحمل في ملفك من وثائق وشهادات خبرة.
فقال: شهادتي الثانوية، وشهادة المعهد المهني.
وأنت؟: (تبسم عبد الله وأجابه قائلاً: أحمل شهادة الثانوية فقط!.

صوت المسئول المختص قائلاً: الكل يقف بالدور ويبرز أوراقه وملفه استعدادا للدخول.
 
استعد الجميع وخيم الصمت عليهم وكأن على رؤوسهم الطير.

دخل الشاب الأول مبتسماً على مسئول التوظيف وبعد دقائق قليلة خرج وهو مكفهر الوجه فنظر إليه عبد الله مستغرباً !.
ولحقه شاب ثانٍ، وثالث، حتى وصل الدور إلى عبد الله، فدخل وكان مرتبكاً مضطرباً كعادته.
نظر إليه المسئول وهو يبتسم.. وسائله كم وزنك؟!!.
أجابه عبد الله: ستون كيلو غراماً تقريباً!.
تبسم بابتسامة كبيرة وكأنه يسخر من عبد الله على نحافة جسمه، وقال له: العمل يا بٌني شاق وبحاجة إلى أجسام قوية وبنيتك لا تساعدك على ذلك؟!.

خرج عبد الله وهو حزين كمن سبقوه، عدا مجموعة صغيرة ممن قبلوا للعمل كانوا فرحين مبتسمين ينتقلون لمكتب آخر مجاور من أجل إكمال بقية الإجراءات لانضمامهم للعمل على الفور، فتوجه عبد الله لأحدهم قائلاً: ماذا طلب منك؟.
أجابه الشاب بالقول وهو مبتسم: لم يطلب مني سوى صورتين لي وصورة من بطاقتي الشخصية التي تثبت هويتي.
وماذا سُئلت أنت؟!.
لم يسألني عن شيء، بل ساُل عن وزني، فضحك منه الشاب!.
تعجب عبد الله، وانطلق مرافقاً بعض الشباب ممن رُفض بحثاً عن سيارة تاكسي من أجل عودتهم لمنازلهم.

مضت الأيام والأشهر على تخرج عبد الله وهو يتنقل من شركة لأخرى يبحث عن وظيفة يعمل بها فلم يوفق ولم تشفع له شهادته التي تفوق على زملائه بها، وظل يضع نسخة من ملفه وشهادته في كل مكتب يقوم بمراجعته على أمل أن يجد وظيفة يستقر فيها، حتى أصابه اليأس وفقد الأمل وبدأت نفسيته تتحطم وتسوء ويزيد جسمه النحيف نحافة بسبب التفكير والتبغ وقلة الأكل، وظل ينام طوال النهار ويسهر في الليل وحده على مشاهدة التلفاز وأفلام الفيديو، ووالدته المسنة تشجعه وتحثه على السعي للبحث عن وظيفة يساعد بها أباه ويعينه على المصروف وتصبره وتدعو له بالتوفيق.

صار عبد الله يخرج كل صباح متأثرا بحديث والدته طُلبها منه بالقيام إعانة والده، يبحث عن العمل في الشركات والمراكز الحكومية ويتم رفضه بسبب بنيته الضعيفة وطوله المميز.
اضف هذا الموضوع الى: