وأنت قابع في هودج السلحفاة
معصومة الدبيسي * - 8 / 2 / 2010م - 1:03 م
عنوان ينفض للوهلة الأولى غُبار الجدّية التي رسمتها تحديات الحياة على قسمات وجوهنا, لتبرز ملامح الطفولة وبراءتها التي ضاعت فينا, ولأني أعلم أن ذكريات الطفولة ترسم على محيانا ابتسامة تذيب ثقل المسؤوليات, ارتأيت عنونة المقال ببراءة الطفولة؛ ليحملكم على بساط الانبساط أثناء متابعة فلسفة سباق السلحفاة والأرنب.

من المؤكد أن غالبيتنا قد تابع قصة "سباق السلحفاة والأرنب", الذي انتهى بفوز السلحفاة باجتهادها ومثابرتها على الرغم من سرعة الأرنب, واستلهمنا منها عبرة أنه مهما أوتي الإنسان من قدرات إذا لم يشحذها بالمثابرة فإنها حتماً ستبور, ولكن في مقالي هذا أود أن نتابع القصة من جديد, نتأمل أبعادها من جديد ونأبجد عِبَرَها من جديد. 

قصة السلحفاة والأرنب متجددة في مسيرة الحياة, ولكن كلٌ بحسب أهدافه التي تتقدم مسيرته وتحذو به أثناء المسير, فالإنسان خُلق وفطرته المنافسة, ينافس مثيله على فعل الخير, النجاح وتحقيق الذات,الملك والسيطرة, الشهرة والتميز, البقاء,..الخ, وأثناء هذه المنافسة وأجواء التحدي القائمة تلوح الرايات الخفاقة وتركز في ثكنات متفاوتة المهمات, فيبرز لدينا المتخصصون والمفكرون والعلماء ..الخ, وكلما اتسقت آليات المنافسة مع أهدافها كانت الرايات أكثر ارتكازاً, وكلما كانت المنافسة لوجه الله كانت الثكنات أكثر صموداً وتحقيقاً للنصر بتوفيق من الله.

ثالوث فوز السلحفاة:
 
1- الاجتهاد والعمل الدؤوب.
 
مما لا شك فيه أن أهم ما خوّل السلحفاة للفوز هو الاجتهاد والعمل الدؤوب, فقد رأينا كيف أن السلحفاة تسير دون كلل أو ملل حتى تصببْ منها العرق, كذلك الاجتهاد يجب أن يفعل بصاحبه, يأخذ منه الطاقة والجهد دون ملل أو ضجر.

قد نُبدع في رسم الخطط و وضع الأهداف التنموية, ولكن بفقدان أهم ركيزة وهي العمل الدؤوب تكون الخطط حبراً على ورق, فهو يعتبر الخطوة التنفيذية التي تضعنا على خشبة مسرح الحياة, والخطوة التحققية من توافق أهدافنا مع ميولنا, فإن لم يكن هناك حماس في ممارسة ما يحقق الأهداف المرسومة, فقطعاً هناك خلل في الخطوة الأولى, فالأولى بنا أن نرجع للوراء ونقارب من جديد بين أهدافنا وميولنا, ومن ثم نراجع اتساق الآليات مع تلك الأهداف. 
2- الثقة بالنفس وبقدراتها.

 السلحفاة ومع علمها المسبق بأنها بطيئة وأن الأرنب أسرع منها, لكنها خاضت السباق برباطة جأش, ثقةً بما لديها من قدرات, فلديها ما افتقده الأرنب كالحكمة والصبر, ولم تلتفت لما لديها من نقص.

فالإنسان الذي يسعى لتحقيق رسالته في الحياة, لا ينظر لما في يد غيره وللظروف المؤاتية لهم ويندب حظه؛ فيتقهقر وينسحب من تحقيق رسالته متذرعاً بعدم وفرة الحظ, وأن ما حُرم منه يحصره في زاوية الاستسلام يرقُب فيها نجاحات قرنائه.

قد يولد الإنسان في بيئة محفوفة بالمثقفين والمفكرين فيسهل عليه السعي للتميز والنبوغ الفكري, مقارنة بمن لم يؤتِه ربه نصيباً من ذلك, ولكن هذا الشخص لو رجع لذاته وبحث عن مواطن قوته, سيجد ما يجعله منافساً لا يستهان به لصاحبه أولي النعمة, فتركيز الطاقة وشحذها القدرات المملوكة يخوّل الفرد للوصول إلى ما وصل له قرينه, وهنا تعظم الثقة بالنفس؛ فكلما حقق الفرد أهدافه متحدياً نواقصه كلما زاد رصيد ثقته بنفسه.

3- التلقين الإيجابي.

لو كانت القصة لغة كلامية أكثر من لغة صورية, لسمعنا حديث السلحفاة مع نفسها ولسمعناها تردد " أنتِ الأقوى" , "ستفوزين", "حتماً ستفوزين", فالتلقين بالنجاح في تصوري نصف النجاح ولا أزيد.
 
فلسفة أخرى:

لم يكن في القصة تسليط للضوء على موقف المشجعين, ولو كان ذلك لرأينا أن الأصوات تهتف "أرنب..أرنب", فهذا بالفعل ما يجري في ساحات التنافس, انزواء التشجيع ناحية الخصم الأقوى لتوقعهم فوزه, ولكن السلحفاة ولما أوتيت من حكمة لم تكترث لأصوات المشجعين, وأكتفت بترديد "سلحفاة..سلحفاة" في صدفتها لتكرر حجراتها صدى صوتها وهتافاتها؛ فيزداد عدد المشجعين لها.

نعم..التشجيع من ركائز النجاح الأساسية ولكن إذا غاب ذلك الصوت يبقى صوت الفرد وتشجيعه لنفسه, فعند قطع شريط النهاية وتحقيق رسالته وإثبات أنه الأقوى سيجلب كل تلك الأصوات له وسيحتفون معه بالنصر.
 
هل كان نجاح السلحفاة على الأرنب لأسبقيتها فقط:

انتهى السباق بقطع السلحفاة لشريط النهاية, ولكن ماذا لو استيقظ الأرنب في اللحظة المناسبة واستطاع استباق السلحفاة ونجح فعلاً وقطع الشريط, هل سيكون الأرنب هو الفائز؟

أقول.. بلغة المنافسة فالأرنب بالطبع هو الفائز, ولكن بلغة فلسفية فالسلحفاة ستكون هي الفائزة حتى مع وصولها المتأخر, فلماذا؟

لأن الأرنب اعتمد فقط على ما أعطاه الله من قدرات طافحة, فنرجسيته لم تجعله ينقب عن قدراته الكامنة ولا يلتفت لأحد سواه, وسرعته الخاطفة سلبت منه التأمل فيما مر عليه أثناء السباق, فخسر إضافة خبرات جديدة, بينما السلحفاة وحيث سيرها البطيء, تأملت إلى السماء وما فيها وإلى الأرض وما عليها, سمعت صوت العصافير وميزتها عن الأخرى, تأملت الطرق ومختصراتها, فحين بلوغ الهدف وتقييمها لن تضطر إلى الزحف للوراء والتأمل من جديد, وحين خوض سباق آخر ستتخذ من الطرق المختصرة طريقاً لها لتصل بأقل وقت وجهد ممكنين, وأستحضر هنا مقولة الفيلسوف الفرنسي "فولتير": (من الأفضل أن تمشي ببطء إلى الأمام على أن تمشي مسرعاً إلى الخلف).

إذاً السائر نحو الهدف حينما يقيم إنجازاته كمياً سيكون كما الأرنب, فليست العبرة في ثقل ما حققه بقدر قيمة ما حققه.
اضف هذا الموضوع الى:
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
» التعليقات «1»
طاهِرة آل زايد ،
[1]
[ عوامُ وَطنِي! ]: 11 / 2 / 2010م - 10:22 ص
بوركتْ جهودُكِ يا مَعصُومة ^^
مضمون المقالِ يفوقُ الجَمالَ كثيراً ،
~
سَلِمَتْ يَداكِ.. وَ وفقكِ الله لكُلِ خيرٍ!
معصومة منصور الدبيسي - العوامية